السيد حيدر الآملي

152

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( اختيار الأنبياء ) واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على أداء الوحي ميثاقهم ، وعلى تبليغ الرّسالة أمانتهم ، لمّا بدّل أكثر خلقه عهد اللَّه إليهم فجهلوا حقّه ، واتّخذوا الأنداد معه ، واجتالتهم الشياطين عن معرفته ، واقتطعتم عن عبادته ، فبعث فيهم رسله ، وواتر إليهم أنبياءه ، ليستأدوهم ميثاق فطرته ، ويذكّروهم منسيّ نعمته ويحتجّوا عليهم بالتبليغ ، ويثيروا لهم دفائن العقول ، ويروهم آيات المقدرة ، من سقف فوقهم مرفوع ، ومهاد تحتهم موضوع ومعايش تحييهم ، وآجال تفنيهم ، وأوصاب تهرمهم ، وأحداث تتابع عليهم ، ولم يخل اللَّه سبحانه خلقه من نبيّ مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجّة لازمة ، أو محجّة قائمة ، رسل لا تقصّر بهم قلَّة عددهم ، ولا كثرة المكذّبين لهم ، من سابق سمّي له من بعده ، أو غابر عرّفه من قبله ، على ذلك نسلت القرون ، ومضت الدّهور ، وسلفت الآباء ، وخلفت الأبناء . ( مبعث النّبيّ ( ص ) ) إلى أن بعث اللَّه سبحانه محمّدا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لإنجاز عدته ، وإتمام نبوّته ، مأخوذا على النّبيّين ميثاقه ، مشهورة سماته ، كريما ميلاده . وأهل الأرض يومئذ ملل متفرّقة ، وأهواء منتشرة ، وطرائق متشتّتة ، بين مشبّه للَّه بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير إلى غيره ، فهداهم به من الضّلالة ، وأنقذهم بمكانه من الجهالة . ثمّ اختار سبحانه لمحمد صلَّى اللَّه عليه وآله ، لقاءه ، ورضي له ما عنده ، وأكرمه عن دار الدّنيا ، ورغب به عن مقام البلوي ، فقبضه إليه كريما صلَّى اللَّه عليه وآله ، وخلَّف فيكم ما خلَّفت الأنبياء في أممها ، إذ لم يتركوهم هملا ، بغير طريق واضح ، ولا علم قائم .